حسن الأمين
113
مستدركات أعيان الشيعة
وعلى هذه الصورة المحزنة ، انتهت آخر محاولة فاطمية ، للاستيلاء على مصر ، بالاعتماد على قوة المعارضة الداخلية وعلى اضطراب أوضاع مصر بسبب نزاع الجند وعلى حامية برقة القوية وكان فشل هذه المحاولة بسبب تنافر العناصر المهاجمة واختلاف أغراضهم ، وحزم ابن طغج ، وإخلاص أعوانه مدعاة للانصراف عن شؤون مصر إلى المغرب وصقلية ، لتهدئة أرضهما ، وحشد إمكانياتهما المادية والبشرية لتوجيهها حسب خطة منظمة نحو خدمة أهداف الدولة في بلاد المشرق . ولئن كان البناء الداخلي في مصر بقي متماسكا طيلة حياة محمد بن طغج الإخشيد ، فان وفاته سنة 334 ه / 945 - 946 م في نفس الوقت الذي قام فيه نظام شيعي في بغداد هو نظام بني بويه الذي استبد أمراؤه بالخلفاء العباسيين كان بداية لتصدع ما اجتهد من قبل في تفويته وأساء إلى أعماله في مصر ، سوء المعاملة التي تعرض لها أبناء أبو القاسم أنوجور ( ت 347 ه / 958 - 959 م ) وأبو الحسن علي ( ت 355 ه / 965 - 966 ) من طرف خادمه أبي المسك كافور ، وما قابله به هذان الأميران من استهانة بشأنه واحتقار له حتى توفي كل منهما وفي نفسه ألم وحزن للحجر عليهما وحرمانهما من التمتع بمباهج السلطة ، ( 1 ) كانت له أصداء قوية في صفوف أنصار أبيهما ، وهم الإخشيدية ، الذين احتفظوا بكراهيتهم لأنصار أبي المسك ، وهم الكافورية . وعرفت مصر ، فصولا من صراع هؤلاء ، سواء في حياة كافور ، أو بعد وفاته في جمادى الأولى 357 ه / مايو 967 م ، ( 2 ) وقد صيرهم النزاع الداخلي عاجزين عن صد الاخطار الخارجية سواء منها التي ظهرت من جهة النوبة ، ( 3 ) أو من جهة برقة ، وقد رجحت كفة الإخشيدية بعد رجوع الأمر إلى أبي الفوارس أحمد بن علي بن طغج الذي ضيق عليهم ، فتركوا مصر إلى الرملة ، يشكون إلى الحسن بن عبيد الله بن طغج كبير الأسرة ، فلم يلتفت إليهم ولم يستسلم لآرائهم في وجوب قتال أبي الفوارس وذلك لقرابته منه ، ( 4 ) ووصايته عليه ، ( 5 ) ويبدو أن ابن الفرات الذي كان مستبدا بشؤون الإدارة المدنية وشمول الإخشيدي الذي كان مشرفا على النواحي العسكرية هما اللذان كانا سببا فيما حل بزعماء الكافورية من اضطهاد ونكال . وصراع الجند وشغبهم ضد السلطة وظهور الأزمات الاقتصادية وانتشار الأوبئة ، والمجاعات ، وغلبة ظاهرة الجفاف بسبب انخفاض ماء النيل وشيوع ظاهرة السلب والنهب ، واختلال الأمن في العاصمة ، وفي الأقاليم ونجاح دعاة الشيعة الفاطميين في التمكين لأنفسهم ، وفي بث آرائهم ورجالهم في عدة جهات من البلاد خاصة الإسكندرية ، التي اكتسبت بهم ، وبالعناصر المغربية التي استقرت فيها ، تحت ستار التجارة ، والرواية وطلب العلم ، أو التعليم طابعا مغربيا واضحا ، هذه كلها بعض أعراض الضعف في البناء الداخلي التي سهلت على الفاطميين مهمتهم ، منذ سنة 358 ه / 868 - 969 م . ( 6 ) وفد استخلص الفاطميون دروسا من فشل الحملات السابقة واتضح لهم أنها ، وإن فشلت في فتح مصر وضمها نهائيا إلى بلاد المغرب ، إلا أنها كانت خير تمهيد لارساء قواعد الفتح على أسس متينة ، وبسببها غدت المسالك معروفة ، والبلاد معهودة ، وأصبح بين سكانها عناصر متشيعة ، أو موالية للنفوذ الشيعي بسبب بطولات قادة الحملات الفاطمية ، وجرأتهم المنقطعة النظير ، وقد ضم هؤلاء جهودهم إلى دعاة الشيعة ورجالهم القدامى في مصر ، من أجل تهيئة التربة للبذر الحقيقي ، وإلى هؤلاء أرسل المعز لدين الله بنودا تحمل شعارات الخلافة الفاطمية ، كي يظهروها في الأماكن الهامة وفي الوقت المناسب ، ولتكون أيضا شارة على الولاء للدعوة الفاطمية ، ( 7 ) ولعل أوضح دليل على استعداد النفوس في مصر لتقبل التحول الجديد ، الذي كان يبشر به الدعاة الفاطميون ، وأشار إليه القائم بأمر الله من قبل في قصائده ومراسلاته مع سكان مصر والشرق العربي ، هو اتفاق أهل الرأي ، والمشورة ، وكبار رجال الدولة ، والأشراف وزعماء الجند على إعلان الولاء للخلافة الفاطمية ، وطلب الأمان من قائد الحملة جوهر الكاتب على الأنفس والأموال والعقائد . ومع أن المعز لدين الله كان يعلم ظروف مصر السيئة ، وأنها غنيمة سهلة ، فإنه بدا استعداداته لتوجيه الحملة الكبرى ، منذ وقت مبكر ، وكان قد كلف جوهر أثناء تجواله في بلاد المغرب 347 ه / 358 - 959 م بحشد الرجال الأكفاء . ( 8 ) كما أمر عماله في مدن قابس ، وطرابلس وبرقة بان بتعاون كل منهم مع الآخر في إطار إقليمه من أجل حفر الينابيع والآبار ، وبناء استراحة في كل منزل . ( 9 ) ورصد أموالا كثيرة ، بلغ مجموعها حوالي أربعة وعشرين مليون دينار ، وضعها في صناديق خاصة ، وختم عليها بخاتمه ، وكلف بها ابن مهذب صاحب بيت المال ، وبلغ مجموع ما حشده من جند كتامة ، وعبيد زويلة ، وطبقة الفتيان نحو مائة ألف ( 10 ) ، هذا عدا النجدات التي تقاطرت على مصر بعد مسير الحملة ، وقادها كل من
--> ( 1 ) المقريزي : الخطط 1 ، 329 . ( 2 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 4 ، 10 ، المقريزي : اتعاظ الحنفا ، 1 ، 96 . ( 3 ) ويلاحظ أن المعز لدين الله واجه الخطر النوبي ، بالطرق السلمية ، فأرسل بعد استقراره في مصر سفارة إلى جورج ملك النوبة ، يدعوه إلى الإسلام . وقد تولى رئاسة الوفد عبد الله بن أحمد بن سليم الأسواني . انظر : زاهر رياض ، اتجاهات مصر الإفريقية في العصور الوسطى 71 ، المجلة التاريخية ، مجلد 20 ، مايو 1958 . ( 4 ) الذهبي : المصدر السابق 3 ورقة 186 ( حوادث 357 ه ) . ( 5 ) العيني : عقد الجمان ج 19 ( ق 2 ) ورقة 219 - 220 ( حوادث 357 ه ) . ( 6 ) سيدة إسماعيل كاشف : مصر في عصر الإخشيديين 360 - 370 ، المقريزي ، الخطط 1 ، 330 ، عبد الله الشرقاوي : تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين ورقة 58 ( ص 101 ط العثمانية 1304 ه ) . وهي على هامش كتاب لطائف أخبار الأول للاسحاقي المتوفى ، ابن الخطيب : أعمال الأعلام 52 هامش 1 ، ( القسم الثالث منه ط الدار البيضاء 1964 . تحقيق مختار العبادي والكناني ) يحيى بن سعيد الأنطاكي : تاريخ الذيل 812 ط كراتشوفسكي وفازلييف ، ابن أيبك الدواداري : الدرة المضيئة 120 - 121 ، الإسحاقي : لطائف أخبار الأول ، 114 ط العثمانية 1304 ه ، المقريزي : إغاثة الأمة لكشف الغمة 12 - 13 ط حمص 1956 جمال الدين الشيال : الصلات الثقافية بين المغرب ومدينة الإسكندرية 145 - 154 . مجلة كلية الآداب ، جامعة الإسكندرية ، مجلد 15 سنة 1961 . ( 7 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا ، 1 ، 102 . ( 8 ) ابن ظافر : أخبار الدول المنقطعة ورقة 47 . مخطوط دار الكتب ، بيبرس الدوادار : المصدر السابق 6 ، ورقة 20 . ( 9 ) المقريزي : اتعاظ 1 ، 96 . علي إبراهيم حسن تاريخ جوهر الصقلي 27 ، جمال سرور ، الدولة الفاطمية في مصر 66 . ( 10 ) المقريزي : الخطط 1 ، 329 .